كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الذي اختاره الإمام الجليل الطبري رحمه الله تعالى، لا يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك وهي قوله جل وعلا في أول الآية: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} لأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى: ثم خلقناكم من مضغة مخلقة، وخلقناكم من مضغة غير مخلقة. وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة، فيه من التناقض، كما ترى فافهم.
فإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة: السقط، لأن قوله: {وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نشاء إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} يفهم منه أن هناك قسمًا آخر لا يقره الله في الأرحام، إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط.
فالجواب: أنه لا يتعين فهم السقط من الآية، لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة، وقد يقره أكثر من ذلك كيف شاء.
أما السقط: فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ} الآية، لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتًا، ولو بعد التشكيل والتخطيط، لم يخلق الله منه إنسانًا واحدًا من المخاطبين بقوله: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} الآية. فظاهر القران يقتضي أن كلًا من المخلقة، وغير المخلقة: يخلق منه بعض المخاطبين في قوله: {يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} الآية.
وبذلك تعلم أن أولى الأقوال في الآية، هو القول الذي لا تناقض فيه، لأن القران أنزل ليصدق بعضه بعضًا، لا ليتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره: وهو أن المخلقة: هي التامة، وغير المخلقة: هي غير التامة.
قال الزمخشري في الكشاف: والمخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب، يقال: خلق السواك والعود: إذا سواه وملسه. من قولهم صخرة خلقاء، إذا كانت ملساء، كأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة.
منها: ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب. ومنها: ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم. انتهى منه.
وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام العرب، تقول العرب: حجر أخلق: أي أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء، وصخرة خلقاء بينة الخلق: أي ليس فيها وصم، ولا كسر، ومنه قول الأعشى:
قد يترك في خلقاء راسية ** وَهيْيًّا وينزل منها الأعصم الصدعا

والدهر في البيت: فاعل يترك، والمفعول به: وهيًّا. يعني: أن صرف الدهر قد يؤثر في الحجارة الصم السالمة من الكسر والوصم، فيكسرها، ويوهيها، ويؤثر في العصم من الأوعال برؤوس الجبال، فينزلها من معاقلها، ومن ذلك أيضًا قول ابن أحمر يصف فرسًا، وقد أنشده صاحب اللسان للمعنى المذكور:
بمقلص درك الطريدة متنهُ ** كصفا الخليقة بالفضاء الملبَّد

فقوله: كصفا الخليقة، يعني: أن متن الفرس المذكور كالصخرة الملساء التي لا كسر فيها، ولا وصم، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته. والسهم المخلق: هو الأملس المستوي.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول هو أولى الأقوال بالصواب فيما يظهر لي لجريانه على اللغة التي نزل بها القران وسلامته من التناقض، والله جل وعلا أعلم.
وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ}: أي لنبين لكم بهذا النقل من طور إلى طور، كمال قدرتنا على البعث بعد الموت، وعلى كل شيء، لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولًا، ثم من نطفة ثانيًّا، مع ما بين النطفة والتراب من المنافاة والمغايرة وقدر على أن يجعل النطفة علقة، مع ما بينهما من التباين والتغاير، وقدر على أن يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظامًا، فهو قادر بلا شك على إعادة ما بدأ من الخلق، كما هو واضح وقوله: {لِّنُبَيِّنَ} الظاهر أنه متعلق بـ خلقناكم، في قوله: {يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} الآية: أي خلقناكم خلقًا من بعد خلق على التدريج المذكور: لنبين لكم قدرتنا على البعث وغيره.
وقال الزمخشري مبينًا نكتة حذف مفعول: لنبين لكم ما نصه: وورود الفعل غير معدى إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه بالذكر، ولا يحيط به الوصف. انتهى منه.
وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة {وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نشاء إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي نقر في أرحام الأمهات ما نشاء إقراره فيها، من الأحمال، والأجنة إلى أَجل مسمى: أي معلوم معين في علمنا، وهو الوقت الذي قدره الله لوضع الجنين، والأجنة تختلف في ذلك حسبما يشاؤه الله جل وعلا، فتارة تضعه أمه لستة أشهر، وتارة لتسعة، وتارة لأكثر من ذلك. وما لم يشأ الله إقراره من الحمل مجته الأرحام وأسقطته، ووجه رفعه: ونقر أن المعنى: ونحن نقر في الأرحام، ولم يعطف على قوله: {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} لأنه ليس علة لما قبله، فليس المراد: خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، لنقر في الأرحام ما نشاء، وبذلك يظهر لك رفعه، وعدم نصبه، وقراءة من قرأ: ونقر بالنصب عطفًا على: لنبين، على المعنى الذي نفيناه على قراءة الرفع، ويؤيد معنى قراءة النصب قوله بعده {ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ} وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} أي وذلك بعد أن يخلق الله المضغة عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم ينشيء ذلك الجنين خلقًا آخر، فيخرجه من بطن أمه في الوقت المعين لوضعه في حال كونه طفلًا: أي ولدًا بشرًا سويًّا.
وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة {ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ} أي لتبلغوا كمال قوتكم، وعقلكم، وتمييزكم بعد إخراجكم من بطون أمهاتكم في غاية الضعف وعدم علم شيء.
وقد قدمنا أقوال العلماء في المراد بالأشد، وهل هو جمع أو مفرد مع بعض الشواهد العربية في سورة الأنعام، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله تعالى: في هذه الآية: {وَمِنكُمْ مَّن يتوفى} أي ومنكم أيها الناس من يتوفى من قبل: أي من قبل بلوغه أشده، ومنكم من ينسأ له في أجله، فيعمر حتى يهرم فيرد من بعد شبابه وبلوغه غاية أشده إلى أرذل العمر، وهو الهرم، حتى يعود كهيئته في حال صباه من الضعف، وعدم العلم.
وقد أوضحنا كلام العلماء في أرذل العمر ومعنى {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} في سورة النحل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من الاستدلال على كمال قدرته، على بعث الناس بعد الموت، وعلى كل شيء ينقله الإنسان من طور إلى طور، من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة إلى آخر الأطوار المذكورة، ذكره جل وعلا في مواضع من كتابه مبينًا أنه من البراهين القطعية على قدرته، على البعث وغيره.
فمن الآيات الذي ذكر فيها ذلك من غير تفصيل لتلك الأطوار قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَا يَعْلَمُونَ} [المعارج: 39] قوله تعالى: {مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13- 14] أي طورًا بعد طور كما بينا قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك لا إله إِلا هو فأنى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6] وقوله في آية الزمر هذه في ظلمات ثلاث: أي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. فقد ركب تعالى عظام الإنسان بعضها ببعض وكساها اللحم، وجعل فيها العروق والعصب، وفتح مجاري البول والغائط، وفتح العيون والآذان والأفواه وفرق الأصابع وشد رؤسوها بالأظفار إلى غير ذلك من غرائب صنعه، وعجائبه، وكل هذا في تلك الظلمات الثلاث، لم يحتج إلى شق بطن أمه وإزالة تلك الظلمات.
سبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم، ولأجل هذه الغرائب والعجائب من صنعه تعالى قال بعد التنبيه عليها {ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك لا إله إِلا هو فأنى تُصْرَفُونَ} ومن الآيات التي أوضح فيها تلك الأطوار على التفصيل قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قرار مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَامًا فَكَسَوْنَا العظام لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 12- 16] وقد ذكر تعالى تلك الأطوار مع حذف بعضها في قوله في سورة المؤمن {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخًا وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ ولتبلغوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [غافر: 67] وقوله تعالى: في الكهف {قال لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف: 37] وقوله تعالى: {خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هو خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [النحل: 4] وقوله: {أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هو خَصِيمٌ مٌّبِينٌ} [يس: 77] وقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} [الإنسان: 2] الآية وقوله تعالى: {خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2] وقوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه: 55] إلى غير ذلك من الآيات وقد بينت السنة الصحيحة القدر الذي تمكثه النطفة قبل أن تصير علقة، والقدر الذي تمكثه العلقة، قبل أن تصير مضغة، والقدر الذي تمكثه المضغة مضغة.
قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع ح، وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني واللفظ له، حدثنا أبي وأبو معاوية، ووكيع قالوا: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق «إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أُمِّه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروحَ ويُؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح تصريحه صلى الله عليه وسلم بأن الجنين يمكث أربعين يوما نطفة، ثم يصير علقة، ويمكث كذلك أربعين يوما، ثم يصير مضغة ويمكث كذلك أربعين يوما ثم ينفخ فيه الروح، فنفخ الروح إذًا في أول الشهر الخامس من أشهر الحمل.
وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبدالملك حدثنا شعبة، أنبأني سليمان الأعمش، قال: سمعت زيد بن وهب، عن عبد الله قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال «إن أحدكم يجمع في بطن أمهِ أربعين يوما ثم علقةً مثل ذلك ثم يكون مضغةً مثل ذلك ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأَربعٍ: برزقه وأجله وشقي أو سعيد» الحديث، وهذه الرواية في البخاري ينقص منها ذكر العمل، وهو مذكور في روايات أُخر صحيحة معروفة. وقد قدمنا وجه الدلالة المقصودة من الحديث المذكور والله أعلم.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف: وهو أن يقال: ما وجه الإفراد في قوله: {نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} مع أن المعنى نخرجكم أطفالًا. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة.
منها ما ذكره ابن جرير الطبري قال: ووحد الطفل وهو صفة للجمع، لأنه مصدر مثل عدل وزور وتبعه غيره في ذلك.
ومنها قول من قال: {نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} أي نخرج كل واحد منكم طفلًا، ولا يخفى عدم اتجاه هذين الجوابين.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القران، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مرادًا به الجمع مع تنكيره كما في هذه الآية، وتعريفه بالألف واللام، وبالإضافة فمن أمثلته في القرآن مع التنكير قوله تعالى: {إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} [القمر: 54] أي وأنهار بدليل قوله تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15] الآية وقوله: {واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] أي أئمة وقوله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} [النساء: 4] الآية أي أنفسًا وقوله تعالى: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67] أي سامرين قووله تعالى: {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} [آل عمران: 84] أي بينهم وقوله تعالى: {وَحَسُنَ أولئك رَفِيقًا} [النساء: 69] أي رفقاء وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فاطهروا} [المائدة: 6] أي مجنبين أو أجنابًا وقوله تعالى: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4] أي مظاهرون ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري:
وكان بنو فزارة شرّ عم ** وكنتُ لهم كشر بني الأَخينا

يعني شر أَعمام: وقول قعنب ابن أم صاحب:
ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ** دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا

يعني ما بال قوم أصدقاء: وقول جرير:
نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ** بأعين أعداء وهن صديق

يعني صديقات: وقول الآخر:
لعمري لئن كنتم على النأي والنوى ** بكم مثل ما بي إنكم لصديق

وقول الآخر:
يا عاذلاتي لا تزدن ملامة ** إن العواذل ليس لي بأمير

أي لسن لي بأمراء.
ومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور: 61] أي أصدقائكم: وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] أي أوامره: وقوله: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] أَي نعم الله: وقوله: {إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي} [الحجر: 68] الآية: أي أضيافي، ونظير ذلك من كلام العرب قول علقمة بن عبدة التميمي:
بها جيف الحسرى فأما عظامها ** فبيض وأما جلدها فصليب

أي وأما جلودها فصليبة: وقول الآخر:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا ** فإن زمانكم زمن خميص

أي بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهدًا بهما لما ذكرنا.
ومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرادس السلمي:
فقلنا أسلموا إنا أخوكم ** وقد سلمت من الإحسن الصدور

أي إنا إخوانكم: وقول جرير:
إذا آباؤنا وأبوك عدوًا ** أبان المقرفات من العراب

أي إذا آباؤنا وآباؤك عدوًا، وهذا البيت، والذي قبله يحتمل أن يراد بهما جمع التصحيح للأب وللأخ، فيكون الأصل: أبون وأخون فحذفت النون للإضافة، فصار كلفظ المفرد.
ومن أمثلته جمع التصحيح في جمع الأخ بيت عقيل بن علفة المذكور آنفًا، حيث قال فيه: كشر بني الأخينا. ومن أمثلة تصحيح جمع الأب قول الآخر:
فلما تبين أصواتنا ** بكين وفديننا بالأبينا

ومن أمثلة ذلك في القرآن: واللفظ معرف بالألف واللام قوله تعالى: {وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ} [آل عمران: 119] أي بالكتب كلها، بدليل قوله: {كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ} [البقرة: 285] الآية، وقوله: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ} [الشورى: 15] وقوله تعالى: {أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُواْ} [الفرقان: 75] أي الغرف بدليل قوله: {لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ} [الزمر: 20] وقوله: {وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ} [سبأ: 37]: وقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ والملك صَفًّا} [الفجر: 22]: أي الملائكة بدليل قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة} [البقرة: 210]: وقوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [القمر: 45]: أي الأدبار بدليل قوله تعالى: {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار} [الأنفال: 15] وقوله تعالى: {أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النساء} [النور: 31]: أي الأطفال: وقوله تعالى: {هُمُ العدو فاحذرهم} [المنافقون: 4] أي الأعداء، ونحو هذا كثير في القرآن، وفي كلام العرب: وهو في النعت بالمصدر مطرد، كما تقدم مرارًا.